فصل: تفسير الآية رقم (106)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏93‏]‏

‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ‏}‏ أيها الناس ‏{‏أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏ متفقة على الإسلام ‏{‏ولكن‏}‏ لا يشاء ذلك رعاية للحكمة بل ‏{‏يُضِلُّ مَن يَشَاء‏}‏ إضلاله بأن يخلق فيه الضلال حسبما يصرف اختياره التابع لاستعداده له ‏{‏وَيَهْدِى مَن يَشَاء‏}‏ هدايته حسبما يصرف اختياره التابع لاستعداده لتحصيلها ‏{‏وَلَتُسْئَلُنَّ‏}‏ جميعاً يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة لا سؤال استفسار وتفهم ‏{‏عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ تستمرون على عمله في الدنيا بقدركم المؤثرة بإذن الله تعالى، والآية ظاهرة في أن مشيئة الله تعالى لإسلام الخلق كلهم ما وقعت وأنه سبحانه إنما شاء منهم الافتراق والاختلاف، فإيمان وكفر وتصديق وتكذيب ووقع الأمر كما شاء جل وعلا، والمعتزلة ينكرون كون الضلال بمشيئته تعالى ويزعمون أنه سبحانه إنما شاء من الجميع الايمان ووقع خلاف ما شاء عز شأنه‏.‏ وأجاب الزمخشري عن الآية بأن المعنى لو شاء على طريقة الإلجاء والفسر لجعلكم أمة واحدة مسلمة فإنه سبحانه قادر على ذلك لكن اقتضت الحكمة أن يضل ويخذل من يشاء ممن علم سبحانه أنه يختار الكفر ويصمم عليه ويهدي من يشاء بأن يلطف بمن علم أنه يختار الايمان، والحاصل أنه تعالى بني الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب ولم ينبه على الاجبار الذي لا يستحق به شيء ولو كان العبيد مضطرين للهداية والضلال لما أثبت سبحانه لهم عملاً يسئلون عنه بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَآء الله لَجَعَلَكُمْ‏}‏ اه، وللعسكري نحوه، وقد قدمنا لك غير مرة أن المذهب الحق على ما بينه علامة المتأخرين الكوراني وألف فيه عدة رسائل أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى لا أنه لا قدرة له أصلاً كما يقول الجبرية ولا أن له قدرة مقارنة غير مؤثرة كما هو المشهور عند الأشعرية ولا أن له قدرة مؤثرة وإن لم يؤذن لله تعالى كما يقول المعتزلة وإن له اختياراً أعطيه بعد طلب استعداده الثابت في علم الله تعالى له فللعبد في هذا المذهب اختيار والعبد مجبور فيه بمعنى أنه لا بد من أن يكون له لأن استعداده الأزلي الغير المجعول قد طلبه من الجواد المطلق والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها والإثابة والتعذيب إنما يترتبان على الاستعداد للخير والشر الثابت في نفس الأمر والخير والشر يدلان على ذلك نحو دلالة الأثر على المؤثر والغاية على ذي الغاية وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ومن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجه غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه‏.‏

وقال ابن المنير‏:‏ إن أهل السنة عن الإجبار بمعزل لأنهم يثبتون للعبد قدرة واختياراً وأفعالاً وهم مع ذلك يوحدون الله تعالى حق توحيده فيجعلوه قدرته سبحانه هي الموجدة والمؤثرة وقدرة العبد مقارنة فحسب وبذلك يميز بين الاختياري والقسري وتقوم حجة الله تعالى على عباده اه وهذا هو المشهور من مذهب الأشعرية وهو كما ترى، وسيأتي أن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام وما فيه من النقض والإبرام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏94‏]‏

‏{‏وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏94‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ‏}‏ قالوا هو تصريح بالنهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً بعد التضمين لأن الاتخاذ المذكور فيما سبق وقع قيداً للمنهي عنه فكان منهياً عنه ضمناً تأكيداً ومبالغة في قبح النهي عنه وتمهيداً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَزِلَّ قَدَمٌ‏}‏ عن محجة الحق ‏{‏بَعْدَ ثُبُوتِهَا‏}‏ عليها ورسوخها فيها بالأيمان، وقيل ما تقدم كان نهياً عن الدخول في الحلف ونقض العهد بالقلة والكثرة وما هنا نهى عن الدخل في الأيمان التي يراد بها اقتطاع الحقوق فكأنه قيل‏:‏ لا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم لتتوصلوا بذلك إلى قطع حقوق المسلمين‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ لم يتكرر النهي فإن ما سبق إخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلاً معللاً بشيء خاص وهو أن تكون أمة هي أربى من أمة وجاء النهي المستأنف الإنشائي عن اتخاذ الايمان دخلاً على العموم فيشمل جميع الصور من الحلف في المبايعة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك‏.‏ ورد بأن قيد المنهي عنه منهى عنه فليس إخباراً صرفاً ولا عموم في الثاني لأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَزِلَّ‏}‏ الخ إشارة إلى العلة السابقة إجمالاً على أنه قد يقال‏:‏ إن الخاص مذكور في ضمن العام أيضاً فلا محيص عن التكرار أيضاً ولو سلم ما ذكره فتأمل، ونصب تزل بأن مضمرة في جواب النهي لبيان ما يترتب عليه ويقتضيه، قال في «البحر» وهو استعارة للوقوع في أمر عظيم لأن القدم إذا زلت انقلبت الإنسان من حال خير إلى حال شر، وتوحيد القدم وتنكيرها كما قال الزمخشري للإيذان بأن زلل قدم واحدة أي قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم فكيف بأقدام، وقال أبو حيان‏:‏ إن الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع وتارة يلحظ فيه كل فرد فرد وفي الأول يكون الإسناد معتبراً فيه الجمعية وفي الثاني يكون الإسناد مطابقاً للفظ الجمع كثيراً فيجمع ما أسند إليه ومطابقاً لكل فرد فيفرد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 31‏]‏ فأفرد المتكأ لما لوحظ في ‏{‏قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ‏}‏ كل واحدة منهن ولو جاء مراداً به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني لجمع وعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله‏:‏

فإن يوجدت الضامرين متاعهم *** يموت ويفنى فارضخي من وعائيا

أي كل ضامر، ولذا أفرد الضمير في يموت ويفنى، ولما كان المعنى هنا لا يتخذ كل واحد منكم جاء ‏{‏فَتَزِلَّ قَدَمٌ‏}‏ مراعاة لهذا المعنى، ثم قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَتَذُوقُواْ السوء‏}‏ مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه الكثير إذ قلنا‏:‏ إن الإسناد لكل فرد فرد فتكون الآية قد تعرضت للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً باعتبار المجموع وباعتبار كل فرد ودل على ذلك بإفراد ‏{‏قَدَمٌ‏}‏ وجمع الضمير في ‏{‏وَتَذُوقُواْ‏}‏‏.‏

وتعقب بأن ما ذكره الزمخشري نكتة سرية وهذا توجيه للأفراد من جهة العربية فلا ينافي النكتة المذكورة، والمراد من السوء العذاب الدنيوي من القتل والأسر والنهب والجلاء غير ذلك مما يسوء ولا يخفى ما في ‏{‏تذوقوا‏}‏ من الاستعارة ‏{‏السوء بِمَا صَدَدتُّمْ‏}‏ بسبب صدودكم وإعراضكم أو صد غيركم ومنعه ‏{‏عَن سَبِيلِ الله‏}‏ الذي ينتظم الوفاء بالعهود والأيمان فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره يتبعه فيها من بعده من أهل الشقاء والإعراض عن الحق فيكون صاداً عن السبيل‏.‏

وجعل ذا بعضهم دليلاً أن الآية فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى ‏{‏وَلَكُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ لا يعلم عظمه إلا الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏95‏]‏

‏{‏وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏95‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله‏}‏ المراد به عند كثير بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الايمان والاشتراء مجاز عن الاستبدال لمكان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثَمَناً قَلِيلاً‏}‏ فإن الثمن مشترى لا مشترى به أي لا تأخذوا بمقابلة عهده تعالى عوضاً يسيراً من الدنيا، قال الزمخشري‏:‏ كان قوم ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم ولما كانوا يعدونهم من المواعيد إن رجعوا أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم الله تعالى بهذه الآية ونهاهم عن أن يستبدلوا ذلك بما وعدوهم به من عرض الدنيا، وقال ابن عظية‏:‏ هذا نهي عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الآخذ فعله أو فعل ما يجب عليه تركه، فالمراد بعهد الله تعالى ما يعم ما تقدم وغيره ولا يخفى حسنه ‏{‏إِنَّمَا عِنْدَ الله‏}‏ أي ما أخبأه وادخره لكم في الدنيا والآخرة ‏{‏هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ من ذلك الثمن القليل ‏{‏إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أي إن كنتم من أهل العلم والتمييز، فالفعل منزل منزلة اللازم، وقيل‏:‏ متعد والمفعول محذوف وهو فضل ما بين العوضين والأول أبلغ ومستغن عن التقدير، وفي التعبير بأن ما لا يخفى، والجملة تعليل للنهي على طريقة التحقيق

‏[‏بم كما أن قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏96‏]‏

‏{‏مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

‏{‏مَا عِندَكُمْ‏}‏ الخ تعليل للخيرية بطريق الاستئناف أي ما تتمتعون به من نعيم الدنيا بل الدنيا وما فيها جميعاً ‏{‏يَنفَدُ‏}‏ ينقضي ويفنى وإن جم عدده وطال مدده، يقال‏:‏ نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفاداً ونفوداً إذا ذهب وفنى، وأما نفذ بالذال المعجمة فبفتح العين ومضارعه ينفذ بضمها ‏{‏وَمَا عِندَ الله‏}‏ من خزائن رحمته الدنيوية والأخروية ‏{‏بَاقٍ‏}‏ لا نفاد له؛ أما الأخروية فظاهر، وأما الدنيوية فحيث كانت موصولة بالأخروية ومستتبعة لها فقد انتظمت في سلك الباقيات الصالحات‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن المراد بما عند الله في الموضعين الثواب الأخروي واختاره بعض الأئمة، وفي إيثار الاسم على صيغة المضارع من الدلالة على الدوام ما لا يخفى‏.‏ ورد بالآية على جهم بن صفوان حيث زعم أن نعيم اجلنة منقطع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَنَجْزِيَنَّ‏}‏ بنون العظمة وهي قراءة عاصم‏.‏ وابن كثير على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم تكرير للوعد المستفاد من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَا عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 95‏]‏ على نهج التوكيد القسمي مبالغة في الحمل على الثبات على العهد‏.‏ وقرأ باقي السبعة بالياء فلا التفات‏.‏

والعدول عما يقتضيه ظاهر الحال من أن يقال‏:‏ ولنجزينكم بالنون أو بالياء أجركم بأحسن ما كنتم تعملون للتوسل إلى التعرض لأعمالهم والأشعار بعليتها للجزاء أي والله لنجزين ‏{‏الذين‏}‏ على العهد أو على أذية المشركين ومشاف الإسلام التي من جملتها الوفاء بالعهود وإن وعد المعاهدون على نقضها بما وعدوا ‏{‏وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ‏}‏ مفعول ‏{‏لنجزين‏}‏ أي لنعطينهم أجرهم اخلاص بهم بمقابلة صبرهم ‏{‏أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ وهو الصبر فإنه من الأعمال القلبية، والكلام على حذف مضاف أي لنجزينهم بجزاء صبرهم، وكان الصبر أحسن الأعمال لاحتياج جميع التكاليف إليه فهو رأسها قاله أبو حيان‏.‏ وفي إرشاد العقل السليم إنما أضيف الأحسن إلى ما ذكر الأشعار بكمال حسنة كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحُسْنَ ثَوَابِ الاخرة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 148‏]‏ لا لإفادة قصر الجزاء على الأحسن منه دون الحسن فإن ذلك مام لا يخطر ببال أحد لا سيما بعد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَجْرَهُمْ‏}‏ فالإضافة للترغيب‏.‏

وجوز أن يكون المعنى لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم أي لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالحسن والأحسن بالأحسن، وفيه ما لا يخفي من العدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزع ونظمه في سلك الصبر الجميل، وأن يكون ‏{‏أَحْسَنُ‏}‏ صفة جزاء محذوفاً والإضافة على معنى من التفضيلية أي لنجزينهم بجزاء أحسن من أعمالهم، وكونه أحسن لمضاعفته، وقيل‏:‏ المراد بالأحسن ما ترجح فعله على تركه كالواجبات والمندوبات أو بما ترجح تركه أيضاً كالمحرمات والمكروهات والحسن ما لم يترجح فعله ولا تركه وهو لا يثاب عليه‏.‏

وتعقبه في الإرشاد بأنه لا يساعده مقام الحث على الثبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنة المخصوصة والترغيب في تحصيل ثمراتها بل التعرض لإخراج بعض أعمالهم من مدارية الجزاء من قبيل تحجير الرحمة الواسعة في مقام توسيع حماها، وقيل‏:‏ المراد بالأحسن النفل، وكان أحسن لأنه لم يحتم بل يأتي الإنسان به مختاراً غير ملزم، وإذا علمت المجازاة على النفل الذي هو أحسن علمت المجازاة على الفرض الذي هو حسن، ولا يخفى أنه ليس بحسن أصلاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏97‏]‏

‏{‏مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏مَّنْ عَمِلَ صالحا‏}‏ أي عملا صالحاً أي عمل كان، وهذا كما قيل شروع في تحريض كافة المؤمنين على كل عمل صالح غب ترغيب طائفة منهم في الثبات على ما هم عليه من عمل صالح مخصوص دفعاً لتوهم الأجر الموفور بهم وبعملهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى‏}‏ دفع لتوهم تخصيص ‏{‏مِنْ‏}‏ بالذكور لتبادرهم من ظاهر لفظ ‏{‏مِنْ‏}‏ فإنه مذكر وعاد عليه ضميره وإن شمل النوعين وضعاً على الأصح، واستدل عليه بما رواه الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه ‏"‏، وقول أم سلمة‏:‏ «فكيف تصنع النساء بذيولهن» الحديث فإن أم سلمة رضي الله تعالى عنها فهمت دخول النساء في ‏{‏مِنْ‏}‏ وأقرها على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأنهم أجمعوا على أنه لو قال‏:‏ من دخل داري فهو حر فدخلها الاماء عتقن، وبعضهم يستدل على ذلك أيضاً بهذه الآية إذ لولا تناوله الأنثى وضعاً لما صح أن يبين بالنوعين‏.‏ وفي الكشف كان الظاهر تناوله للذكور من حيث أن الإناث لا يدخلن في أكثر الأحكام والمحاورات وإن كان التناول على طريق التعميم والتغليب حاصلاً لكن لما أريد التنصيص ليكون أغبط للفريقين ونصا في تناولهما بين بذكر النوعين اه، والقول الأصح أن التناول لا يحتاج إلى التغليب، وتمام الكلام في ذلك في كتب الأصول، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مُؤْمِنٌ‏}‏ في موضع الحال من فاعل ‏{‏عَمَلٍ‏}‏ وقيد به إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة الصالحة في استحقاق القواب إجماعاً، واختلف في ترتب تخفيف العقاب عليها، فقال بعضهم‏:‏ لا يترتب أيضاً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 85‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 23‏]‏‏.‏

وقال الإمام‏:‏ إن إفادة العمل الصالح لتخفيف العقاب غير مشروطة بالإيمان لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 7‏]‏ وحديث أبي طالب أنه اخف الناس عذاباً لمحبته وحمايته النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي البحر أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 7‏]‏ مخصص بهذه الآية ونحوها أو يراد بمثقال ذرة مثقال ذرة من إيمان كما جاء فيمن يخرج من النار من عصاة المؤمنين، وقال الكرماني‏:‏ إن تخفيف العذاب عن أبي طالب ليس جزاء لعمله بل هو لرجاء غيره أو هو من خصائص نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال بعضهم‏:‏ الإيمان شرط لترتب التخفيف على الأعمال الصالحة إذا كانت مما يتوقف صحتها على النية التي لا تصح من كانفر وليس شرطاً للترتب عليها إذا لم تكن كذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام، وإيثار الجملة الاسمية لإفادة وجوب دوام الإيمان ومقارنته للعمل الصالح في ترتب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً‏}‏ الخ، والمراد بالحياة الطيبة الحياة التي تكون في الجنة إذ هناك حياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا شقاوة، أخرج ابن جرير‏.‏

وابن المنذر‏.‏ وغيرهما عن الحسن قال‏:‏ ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة، وروي نحوه عن مجاهد‏.‏ وقتادة‏.‏ وابن زيد، ولله تعالى در من قال‏:‏

لا طيب للعيش ما دامت منغصة *** لذاته بادكار الموت والهرم

وقال شريك‏:‏ هي حياة تكون في البرزخ فقد جاء «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار»‏.‏

وقال غير واحد‏:‏ هي في الدنيا وأريد بها حياة تصحهبا القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى له وقدره، فقد أخرج البيهقي في الشعب‏.‏ والحاكم وصححه‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وغيرهم عن ابن عباش رضي الله تعالى عنهما أنه فسرها بذلك وقال‏:‏ ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير ‏"‏ وجاء «القناعة مال لا ينفد»‏.‏

وقال أبو بكر الوراق‏:‏ هي حياة تصحبها حلاوة الطاعة، وأخرج عبد الرزاق‏.‏ وغيره عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال‏:‏ الحياة الطيبة الرزق الحلال، وروى عن الضحاك‏.‏ ووجه بعضهم طيب هذه الحياة بأنه لا يترتب عليها عقاب بخلاف الحياة بالرزق الحرام فقد جاء «أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به» وهو كما ترى، وقيل‏:‏ غير ذلك؛ وأولى الأقوال على تقدير أن يكون ذلك في الدنيا تفسيرها بما يصحبه القناعة‏.‏

قال الواحدي‏:‏ إن تفسيرها بذلك حسن مختار فإنه لا يطيب في الدنيا إلا عيش القانع وأما الحريض فإنه أبدا في الكد والعناء، وقال الإمام‏:‏ إن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه‏.‏

الأول أنه لما عرف أن رزقع إنما حصل بتدبير الله تعالى وأنه سبحانه محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضياً بكل ما قضاه وقدره وعرف أن مصلحته في ذلك، وأما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبدا في الحزن والشقاء‏.‏

الثاني أن المؤمن يستحضر أبداً في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها ويجد نفسه راضية بذلك فعند الوقوع لا يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه غافل عن تلك المعارف فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه‏.‏

الثالث أن المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى والقلب إذا كان مملوءاً بالمعرفة لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا وأما الجاهل فقلبه خال عن المعرفة متفرغ للأحزان من المصائب الدنيوية‏.‏

الرابع أن المؤمن عارف أن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجداناه ولا غمه بفقدانها والجاهل لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فيعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها‏.‏

الخامس أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة الزوال ولولا تغيرها وانقلابها ما وصلت إليه فعند وصولها إليه لا يتعلق بها قلبه ولا يعانقها معانقة العاشق فلا يحزنه فواتها والجاهل بخلاف ذلك اه، وللبحث فيه مجال‏.‏ وأورد على التفسير المختار أن بعض من عمل صالحاً وهو مؤمن لم يرزق القناعة بل قد ابتلى بالقنوع، وأجيب بأن المراد بالمؤمن من كمل إيمانه أو يقال‏:‏ المراد بمن عمل صالحاً من كان جميع عمله صالحاف‏.‏

وقال البيضاوي في بيان ترتب احيائه حياة طيبة‏:‏ إنه إن كان معسراً فظاهر وإن كان موسراً فطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقف الأجر العظيم في الأخرة أي على تخلف بعض مراداته عنه وضنك عيشه فقال الخفاجي‏:‏ إن هذه الأمور لا بد من وجود بعضها في المؤمن والأخير يعني توقع الأجر في الآخرة عام شامل لكل مؤمن فلا يرد عليه أن هذا لا يوجد في كل من عمل صالحاً حتى يؤول المؤمن بمن كمل إيمانه إلى آخر ما سمعت‏.‏ وتعقب بأن القناعة هي الرضا بالقسم كما في القاموس وغيره وتوقع الأجر العظيم لا يوجد بدون ذلك ويكف يحصل الأجر على تخلف المراد وضنك العيش مع الجزع وعدم الرضا، وكلامه ظاهر في تحقق هذا التوقع وإن لم يكن هناك قناعة ورضا ولا يكاد يقع هذا من مؤمن عارف فلا بد من التأويل‏.‏

وبحث بعضهم فيه أيضاً بأن كمال الإيمان لا يكون بدون الرضا وكذا كون جميع الأعمال صالحة لا يوجد بدونه لأن الأعمال تشمل القلبية والقالبية والرضا من النوع الأول‏.‏ والمراد من ‏{‏لنحيينه حياة طيبة‏}‏ لنعطينه ما تطيب به حياته فيؤول معنى الآية حينئذ على تقدير أن يراد القناعة الرضا من رضى بالقسمة وفعل كذا وكذا وهو مؤمن أو من عمل صالحاً وهو راض بالقسمة متصف بكذا وكذا مما فيه كمال الإيمان فلنعطينه الرضا بالقسمة الذي تطيب به حياته ويتضمن من رضى بالقسمة فلنعطينه الرضا بالقسمة الذي تطيب به حياته وهو كما ترى وفيه ما لا يخفى‏.‏ نعم تفسير الحياة الطيبة بما يكون في الجنة سالم عن هذا القيل والقال، ويراد بها ما سلمت من توعم الموت والهرم وحلول الالم والسقم فيكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلنحيينه حياة طيبة‏}‏ إشارة إلى درء المفاسد، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلنَجْزيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ إشارة إلى جلب المصالح ولكون الأول أهم قدم فليتأمل، وكأن المراد ولنجزينهم الخ حسبما يفعل بالصابرين فليس في الآية شائبة تكرار كما زعم الطبرسي، والجمع في الضمائر العائدة إلى الموصول لمراعاة جانب المعنى كما أن الأفراد فيما سلف لرعاية جانب اللفظ، وإيثار ذلك على العكس بناءاً على كون الأحياء حياة طيبة في الدنيا وجزاء الأجر في الآخرة لما أن وقوع الجزاء بطريق الاجتماع المناسب للجمعية ووقوع ما في حيز الصلة وما يترتب عليه بطريق الافتراق والتعاقب الملائم للأفراد، وقيل بناءاً على كون ذلك في الآخرة‏:‏ إن الجمع والأفراد لما تقدم، وكذا إيثار ذلك على العكس فيما عدا ضمير ‏{‏لنحيينه‏}‏ واما في ضميره فلما أن الأحياء حياة طيبة بمعنى ما سلمت مما تقدم أمر واحد في الجميع لا يتفاوت فيه أهل الجنة فكأنهم في ذلك شيء واحد، ولما لم يكن الجزاء كذلك وكان أهل الجنة فيه متفاوتين جيء بضمير الجمع معه فتأمل كل ذلك‏.‏

وروي عن نافع أنه قرأ ‏{‏وليجزينهم‏}‏ بالياء على الالتفات من التكلم إلى الغيبة‏.‏

قال أبو حيان‏:‏ وينبغي أن يكون ذلك على تقدير قسم ثان لا معطوفاً على ‏{‏فَلَنُحْيِيَنَّهُ‏}‏ فيكون من عطف جملة قسمية على مثلها وكلتاهما محذوفتان، ولا يكون من عطف جواب على مثله لتغاير الإسناد وإفضاء الثاني إلى إخبار المتكلم عن نفسه اخبار الغائب وذلك لا يجوز، وعلى هذا لا يجوز زيد قال لأضربن هند أو لينفينها تريد ولينفينها زيد فإن جعلته على إضماء قسم ثان جاز أي وقال زيد لينفينها لأن لك في هذا التركيب حكاية المعنى وحكاية اللفظ، ومن الثاني ‏{‏وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 107‏]‏ ومن الأول ‏{‏يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 74‏]‏ ولو حكى اللفظ قيل ما قلنا اه‏.‏ واستدل بالآية على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح مغايرة الشرط للمشروط‏.‏

هذا وإذ قد انتهى الأمر إلى مدار الجزاء وهو صلاح العمل وحسنه رتب عليه بالفاء الإرشاد إلى ما به يحسن العمل الصالح، ويخلص عن شوب الفساد فقيل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏98‏]‏

‏{‏فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ‏(‏98‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله‏}‏ أي إذا أردت قراءة القرآن فاسأله عز جاره أن يعيذك ‏{‏مِنْ‏}‏ وساوس ‏{‏الشيطان الرجيم‏}‏ كيلا يوسوسك في القراءة، فالقراءة مجاز مرسل عن إرادتها إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، وكيفية الاستعاذة عند الجمهور من القراء وغيرهم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لتظافر الروايات على أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ كذلك‏.‏

وروى الثعلبي‏.‏ والواحدي أن ابن مسعود قرأ عليه عليه الصلاة والسلام فقال‏:‏ أعوذ باا السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال له صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يا ابن أم عبد قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ» نعم أخرج أبو داود‏.‏ والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها في ذكر الافك قالت‏:‏ «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقال‏:‏ اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ‏{‏إن الذين جاؤوا بالافك‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 11‏]‏» الآية، وأخرجا عن سعيد انه قال‏:‏ «كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة قال‏:‏ سبحانك للهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم» الخ وبذلك أخذ من استعاذ كذلك، وفي الهداية الأولى أن يقول‏:‏ أستعيذ بالله ليوافق القرآن ويقرب أعوذ باا من الشيطان الرجيم اه، والمخاتر ما سمعت أولا لأن لفظ ‏{‏استعذ‏}‏ طلب العوذ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنّى أَعُوذُ‏}‏ امتثال مطابق لمقتضاه‏.‏ والقرب من اللفظ مهدر، ويكفي لأولوية ما عليه الجمهور مجيؤه في المأثور‏:‏ وقال بعض أصحابنا، ولا ينبغي أن يزيد المتعوذ السميع العليم لأنه ثناء وما بعد التعوذ محل القراءة لا محل الثناء وفيه أن هذا بعد تسليم الخبرين السابقين غير سديد على أنه ليس في ذلك اتيان بالثناء بعد التعود بل اتيان به في أثنائه كما لا يخفى، والأمر بها للندب عندهم، وأخرج عبد الرزاق في المصنف‏.‏ وابن المنذر عن عطاء وروي عن الثوري أنها واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها لهذه الآية فحملا الأمر فيها على الوجوب نظراً إلى أنه حقيقة فيه، وعدم صلاحية كونها لدفع الوسوسة في القراءة صارفا عنه بل يصح شرع الوجوب معه، وأجيب بأنه خلاف الإجماع، ويبعد منهما أن يبتدعا قولاً خارقاً له من بعد علمهما بأن ذلك لا يجوز فالله تعالى أعلم بالصارف على قول الجمهور، وقد يقال‏:‏ هو تعليمه صلى الله عليه وسلم الاعرابي الصلاة ولم يذكرها عليه الصلاة والسلام‏.‏

وقد يجاب بأن تعليمه إياها بتعليمه ما هو من خصائصها وهي ليست من واجباتها بل من واجبات القراءة أو إن كونها تقال عند القراءة كان ظاهراً معهوداً فاستغنى عن ذكرها، وففيه أنه لا يتأتى على ما ستسمع قريباً إن شاء الله تعالى من قول أبي يوسف عليه الرحمة، وقال الخفاجي‏:‏ إن حمل الأمر على الندب لما روي من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لها، وإذا ثبت هذا كفى صارفاً؛ ومذهب ابن سيرين‏.‏

والنخعي وهو أحد قولي الشافعي أنها مشروعة في القراءة في كل ركعة لأن الأمر معلق على شرط فيتكرر بتكرره كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ وأيضاً حيث كانت مشروعة في الركعة الأولى فهي مشروعة في غيرها من الكرعات قياساً للاشتراك في العلة، ومذهب أبي حنيفة وهو القول الآخر للشافعي أنها مشروعة في الأول فقط لأن قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، وقيل‏:‏ إنها عند الإمام أبي حنيفة للصلاة ولذا لا تكرر، والمذكور في الهداية وغيرها أنها عند الإمام ومحمد للقراءة دون الثناء حتى يأتي بها المسبوق دون المقتدى، وقال أبو يوسف‏:‏ انها للثناء وفي الخلاصة أنه الأصح، وتظهر ثمرة الخلاف في ثلاثة مسائل ذكرت فيها فما ذكره صاحب القيل لم نعثر عليه في كتب الاصحاب، ومالك لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في غيرها كقيام رمضان، والمروى عنه في غير الصلاة فيما سمعت من بعض مقلديه وعن أبي هريرة‏.‏ وان سيرين‏.‏ وداود‏.‏ وحمزة من القراء أن الاستعاذة عقب القراءة أخذا بظاهر الآية‏.‏

وللجمهور ما رواه أئمة القراءة مسنداً عن نافع عن جبير بن مطعم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل القراءة‏:‏ ‏{‏أَعُوذُ بالله مِنَ الشيطان الرجيم‏}‏‏:‏ قال في الكشف، دل الحديث على أن التقديم هو السنة فبقي سببية القراءة لها، والفاء في ‏{‏فاستعذ‏}‏ دلت على السببية فلتقدر الإرادة ليصح، وأيضاً الفراغ عن العمل لا يناسب الاستعاذة من العدو وإنما يناسبها الشروع فيه والتوسط فلتقدر ليكونا أي القراءة والاستعاذة مسببتين عن سبب واحد لا يكون بينهما مجرد الصحبة الاتفاقية التي تنافيها الفاء، وإليه أشار صاحب المفتاح بقوله‏:‏ بقرينة الفاء والسنة المستفيضة انتهى‏.‏

ومنه يعلم أن ما قيل من أن الفاء لا دلالة فيها على ما ذكر وأن اجماعهم على صحة هذا المجاز يدل على أن القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة ليس بشرط فيه ليس بشيء؛ وكذا القول بالفرق بين هذه الآية وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغسلوا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ الخ بأن ثمة دليلاً قائماً على المجاز فترك الظاهر له بخلاف ما نحن فيه، والظاهر أن المراد بالشيطان ابليس وأعوانه، وقيل‏:‏ هو عام في كل متمردعات من جن وإنس، وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لغيره عليه الصلاة والسلام وفي سائر الأعمال الصالحة أهم فإنه صلى الله عليه وسلم حيث أمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فما الظن بمن عداه عليه الصلاة والسلام فيما عدا القراءة من الأعمال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏99‏]‏

‏{‏إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏(‏99‏)‏‏}‏

‏{‏أَنَّهُ‏}‏ الضمير للشأن أو للشيطان ‏{‏لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ‏}‏ تسلط واستيلاء عَلَى الَّذينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ أي إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه يفوضون أمورهم وبه يعوذون فالمراد نفي التسلط بعد الاستعاذة فتكون الجملة تعليلاً للأمر بها أو لجوابه المنوى أي أن يعذك ونحوه‏.‏

وقال البعض‏:‏ المراد نفي ذلك مطلقاً، قال أبو حيان‏:‏ وهو الذي يقتضيه ظاهر الأخبار وتعقب بأنه إذا لم يكن له تسلط فلم أمروا بالاستعاذة منه‏.‏ وأجيب بأن المراد نفي ما عظم من التسلط‏.‏ وقد أخرج ابن جرير‏.‏ وغيره عن سفيان الثوري أنه قال في الآية‏:‏ ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم والاستعاذة من المحتقران فهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرونه على ندور غفلة فأمروا بالاستعاذة منه لمزيد الاعتناء بحفظهم، وقد ذهب إلى هذا البيضاوي ثم قال‏:‏ فذكر السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطاناً‏.‏

وفي الكشف أن هذه الجملة جارية مجرى البيان للاستعاذة المأمور بها وأنه لا يكفي فيها مجرد القول الفارغ عن اللجأ إلى الله تعالى واللجأ إنما هو بالإيمان أولا والتوكل ثانياً، وأياً ما كان فوجه ترك العطف ظاهر وايثار صيغة الماضي في الصلة الأولى للدلالة على التحقيق كما أن اختيار صيغة الاستقبال في الثانية لإفادة الاستمرار التجددي، وفي التعرض لوصف الربوبية تأكيد لنفي السلطان عن المؤمنين المتوكلين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏100‏]‏

‏{‏إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ‏}‏ أي يجعلونه والياً عليهم فيحبونه ويطيعونه ويستجيبون دعوته فالمراد بالسلطان التسلط والولاية بالدعوة المستتبعة للاستجابة لا ما يعم ذلك والتسلط بالقسر والإلجاء فإن في جعل التولي صلة ‏{‏مَا‏}‏ يفصح بنفي أرادة التسلط القسري فإن المقسور بمعزل عنه بهذا المعنى، وقد نفى هذا أيضاً عن الكفرة في قوله تعالى حكاية عن اللعين‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 22‏]‏ فاستجبتم لي ‏{‏والذين هُم بِهِ‏}‏ أي بسبب الشيطان وإغوائه إياهم ‏{‏مُّشْرِكُونَ‏}‏ بالله تعالى، وقيل‏:‏ أي بإشراكهم الشيطان مشركون بالله تعالى، وجوز أن يكون الضمير للرب تعالى شأنه والباء للتعدية، وروي ذلك عن مجاهد ورجح الأول باتحاد الضمائر فيه مع تبادره إلى الذهن، وفي إرشاد العقل السليم ما يشعر باختيار الأخير، وذكر فيه أيضاً أن قصر سلطان اللعين على المذكورين غب نفيه عن المؤمنين المتوكلين دليل على أنه لا واسطة في الخارج بين التوكل على الله تعالى وتولي الشيطان وإن كان بينهما واسطة في المفهوم وأن من لم يتوكل عليه تعالى ينتظم في سلك من يتولي الشيطان من حيث لا يحتسب إذ به يتم التعليل، ففيه مبالغة في الحمل على التوكل والتحذير عن مقابله‏.‏

وإيثار الجملة الفعلية الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر آنفاً والاسمية في الثانية للدلالة على الثبات، وتكرير الموصول للاحتراز عن توهم كون الصلة الثانية حالية مفيدة لعدم دخول غير المشركين من أولياء الشيطان تحت سلطانه‏.‏

وتقديم الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارنة بينها وبين ما يقابلها من التوكل على الله تعالى ولو روعي الترتيب السابق لانفصل كل من القرينتين عما يقابلها اه، وقيل لما كان كل من الإيمان والتولي منشأ لما بعده قدم عليه، وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ‏}‏ أي إذا نزلنا آية من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلاً منها بأن نسخناها بها، والظاهر على ما في البحر أن المراد نسخ اللفظ والمعنى، ويجوز أن يراد نسخ المعنى مع بقاء اللفظ ‏{‏والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ‏}‏ من المصالح فكل من الناسخ والمنسوخ منزل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة فإن كل وقت له مقتضى غير الآخر فكم من مصلحة تنقلب مفسدة في وقت آخر لانقلاب الأمور الداعية إليها، ونرى الطبيب الحاذق قد يأمر المريض بشربة ثم بعد ذلك ينهاه عنها ويأمره بضدها، وما الشرائع إلا مصالح للعباد وأدوية لأمراضهم المعنوية فتختلف حسب اختلاف ذلك في الأوقات وسبحان الحكيم العليم، والجملة اما معترضة لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم، وفي الالتفات إلى الغيبة مع الإسناد إلى الاسم الجليل ما لا يخفى من تربية المهابة وتحقيق معنى الاعتراض أو حالية كما قال أبو البقاء وغيره، وقرأ ابن كثير‏.‏ وأبو عمرو ‏{‏يُنَزّلٍ‏}‏ من الإنزال ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ‏}‏ مقتول على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، وقد بالغوا قاتلهم الله تعالى في نسبه الافتراء إلى حضرة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث وجهوا الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام وجاؤوا باجلملة الاسمية مع التأكيد بإنما، وحكاية هذا القول عنهم ههنا للإيذان بأنه كفرة ناشئة من نزغات الشيطان وأنه وليهم‏.‏ وفي الكشف أن وجه ذكره عقيب الأمر بالاستعاذة عند القراءة أنه باب عظيم من أبوابه يفتن به الناقصين يوسوس إليهم البداء والتضاد وغير ذلك ‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أي لا يعلمون شيئاً أصلاً أو لا يعلمون أن في التبديل المذكور حكماً بالغة، وإسناد هذا الحكم إلى أكثرهم لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكر عناداً‏.‏ والآية دليل على نسخ القرآن بالقرآن وهي ساكتة عن نفي نسخه بغير ذلك مما فصل في كتب الأصول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ نَزَّلَهُ‏}‏ أي القرآن المدلول عليه بالآية، وقال الطبرسي‏:‏ أي الناسخ المدلول عليه بما تقدم ‏{‏رُوحُ القدس‏}‏ يعني جبريل عليه السلام وأطلق عليه ذلك من حيث انه ينزل بالقدس من الله تعالى أي مما يطهر النفوس من القرآن والحكمة والفيض الإلهي، وقيل‏:‏ لطهره من الادناس البشرية، والإضافة عند بعض للاختصاص كما في ‏{‏رَبّ العزة‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 180‏]‏ وجعلها بعض المحققين من إضافة الموصوف للصفة على جعله نفس القدس مبالغة نحو خبر سوء ورجل صدق على ما ارتضاه الرضى، ومثل ذلك حاتم الجود وسحبان الفصاحة وخالف في ذلك صاحب الكشف مختاراً أنها للاختصاص، ولا يخفى ما في صيغة الاتفعيل بناء على القول بأنها تفيد التدريج من المناسبة لمقتضى المقام لما فيها من الإشارة إلى أنه أنزل دفعات على حسب المصالح ‏{‏مِن رَبّكَ‏}‏ في إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الدلالة على تحقيق إفاضة آثار الربوبية عليه عليه الصلاة والسلام ما ليس في إضافته إلى ياء المتكلم المنبئة عن التلقين المحض كما في إرشاد العقل السليم، وكأنه اعتناء بأمر هذه الدلالة لم يقل من ربكم على أن في ترك خطابهم من حط قدرهم ما فيه، و‏{‏مِنْ‏}‏ لابتداء الغاية مجازاً ‏{‏بالحق‏}‏ أي ملتبساً بالحكمة المقتضية له بحيث لا يفارقها ناسخاً كان أو منسوخاً ‏{‏لِيُثَبّتَ الذين ءامَنُواْ‏}‏ أي على الإيمان بما يجب الإيمان به لما فيه من الحجج القاطعة والأدلة الساطعة أو على الإيمان بأنه كلامه تعالى فانهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح رسخت عقائدهم واطمأنت به قلوبهم، وأول بعضهم الآية على هذا الوجه بقوله‏:‏ ليبين ثباتهم وتعقب بأنه لا حاجة إليه إذا لتثبيت بعد النسخ لم يكن قبله فإن نظر إلى مطلق الإيمان صح‏.‏ وقرىء ‏{‏لِيُثَبّتَ‏}‏ من الأفعال‏.‏

‏{‏وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ‏}‏ عطف على محل ‏{‏لِيُثَبّتَ‏}‏ عند الزمخشري ومن تابعه وهو نظير زرتك لأحدثك واجلالاً لك أي تثبيتاً وهداية وبشارة، وتعقب بأنه إذا اعتبر الكل فعل المنزل على الإسناد المجازي لم يكن للفرق بادخال اللام في البعض والترك في البعض وجه ظاهر، وكذا إذا اعتبر فعل الله تعالى كما هو كذلك على الحقيقة وإذا اعتبر البعض فعل المنزل ليتحد فاعل المصدر وفاعل المعلل به فيترك اللام له والبعض الآخر فعل الله تعالى ليختلف الفاعل فيؤتي باللام لم يكن لهذا التخصيص وجه ظاهر أيضاً ويفوت به حسن النظم‏.‏

وقال الخفاجي يوجه ترك اللام في المعطوف دون المعطوف عليه مع وجود شرط الترك فيهما بأن المصدر المسبوك معرفة على ما تقرر في العربية والمفعول له الصريح وإن لم يجب تنكيره كما عزى للرياشي فخلافه قليل كقوله‏:‏

وأغفر عوراء الكريم ادخاره *** ففرق بينهما تفنناً وجرياً على الأفصح فيهما، والنكتة فيه أن التثبيت أمر عارض بعد حصول المثبت عليه فاختير فيه صيغة الحدوث مع ذكر الفاعل إشارة إلى أنه فعل لله تعالى مختص به بخلاف الهداية والبشارة فإنهما يكونان بالواسطة، وقيل‏:‏ إن وجود الشرط مجوز لا موجب والاختيار مرجح مع ما في ذلك من فائدة بيان جواز الوجهين، وفيه أنه لا يصلح وجهاً عند التحقيق، وقد اعترض أبو حيان هنا بما تقدم في الكلام على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِتُبَيّنَ لَهُمُ الذى اختلفوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 64‏]‏، وذكر أنه لا يمتنع أن يكون العطف على المصدر المنسبك لأنه مجرور فيكون ‏{‏هُدًى وبشرى‏}‏ مجرورين، وجوز أبو البقاء أن يكونا مرفوعين على أنهما خبراً مبتدأ محذوف أي وهو هدى وبشرى، والجملة في موضع الحال من الهاء في دنزله‏}‏‏.‏

والمراد بالمسلمين الذين آمنوا، والعدول عن ضميرهم لمدحهم بكلا العنوانين، وفسر بعضهم الإسلام بمعناه اللغوي فقيل‏:‏ إن ذلك ليفيد بعد توصيفهم بالإيمان، والظاهر أن ‏{‏لِلْمُسْلِمِينَ‏}‏ قيد للهدى والبشرى ولم أر من تعرض لجواز كونه قيداً للبشرى فقط كما تعرض لذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 89‏]‏ على ما سمعت هناك‏.‏

وفي هذه الآية على ما قالوا تعريض لحصول أضداد الأمور المذكورة لمن سوى المذكورين من الكفار من حيث ان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ نَزَّلَهُ‏}‏ جواب لقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 101‏]‏ فيكفي فيه ‏{‏قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس‏}‏ فالزيادة لمكان التعريض وقال الطيبي إن ‏{‏نَزَّلَهُ رُوحُ القدس‏}‏ بدل نزل الله فيه زيادة تصوير في الجواب وزيد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ لينبه على دفع الطعن بألطف الوجوه ثم نعى قبيح أفعالهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيُثَبّتَ‏}‏ الخ تعريضاً بأنهم متزلزلون ضالوان موبخون منذرون بالخزى والنكال واللعن في الدنيا والآخة ‏{‏وَأَنْ‏}‏ عذابهم في خلاف ذلك ليزيد في غيظهم وحنقهم، وفي الكلام ما هو قريب من الأسلوب الحكيم اه فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏103‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ‏(‏103‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ‏}‏ غير ما نقل عنهم من المقالة الشنعاء ‏{‏إِنَّمَا يُعَلّمُهُ‏}‏ أي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وهو الذي يقتضيه ظاهر كلام قتادة‏.‏ ومجاهد‏:‏ وغيرهما واختير كون الضمير للقرآن ليوافق ضمير ‏{‏نزَلَهُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 102‏]‏ أي يقولون إنما يعلم القرآن النبي عليه الصلاة والسلام ‏{‏بُشّرَ‏}‏ على طريق البت مع ظهور أنه نزوله روح القدس عليه عليه الصلاة والسلام، وتأكيد الجملة لتحقيق ما تتضمنه من الوعيد، وصيغة الاستقبال لإفادة استمرار العلم بحسب الاستمرار التجددي في متعلقه فانهم مستمرون على التفوه بتلك العظيمة، وفي البحر أن المعنى على المضي فالمراد علمنا وعنوا بهذا البشر قيل‏:‏ جبرا الرومي غلام عامر بن الحضرمي وكان قد قرأ التوراة والإنجيل وكان صلى الله عليه وسلم يجلس إليه إذا آذاه أهل مكة فقالوا ما قالوا‏.‏

وروي ذلك عن السدي، وقيل‏:‏ مولى الحويطب بن عبد العزى اسمه عائش أو يعيش كان يقرأ الكتب وقد أسلم وحسن إسلامه قاله الفراء‏.‏ والزجاج، وقيل‏:‏ أبا فكيهة مولى لامرأة بمكة قيل اسمه يسار وكان يهودياً قاله مقاتل‏.‏ وابن جبير إلا أنه لم يقل كان يهودياً‏.‏ وأخرج آدم بن أبي إياس‏.‏ والبيهقي‏.‏ وجماعة عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال‏:‏ كان لنا عبدان نصرانيان من أهل عين التمر يقال لأحدهما يسار وللآخر جبر وكانا يصنعان السيوف بمكة وكانا يقرءان الإنجيل فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما يقرءان فيقف ويستمع فقال المشركون‏:‏ إنما يتعلم منهما، وفي بعض الروايات أنه قيل لأحدهما أنك تعلم محمداً صلى الله عليه وسلم فقال لا بل هو يعلمني، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ كان بمكة غلام أعجمي رومي لبعض قريش يقال‏:‏ له بلعام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه الإسلام فقالت قريش‏:‏ هذا يعلم محمداً عليه الصلاة والسلام من جهة الأعاجم؛ وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن المنذر عن الضحاك أنه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وضعف هذا بأن الآية مكية وسلمان أسلم بالمدينة، وكونها إخباراً بأمر مغيب لا يناسب السباق، ورواية أنه أسلم بمكة واشتراه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأعتقه بها قيل ضعيفة لا يعول عليها كاحتمال أن هذه الآية مدنية‏.‏

وقد أخبرني من أثق به عن بعض النصارى أنه قال له‏:‏ كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يتردد إليه في غار حراء رجلان نصراني ويهودي يعلمانه، ولم أجد هذا عن أحد من المشركين وهو كذب بحت لا منشأ له وبهت محض لا شبهة فيه، وإنما لم يصرح باسم من زعموا أنه يعلمه عليه الصلاة والسلام مع أنه أدخل في ظهور كذبهم للإيذان بأن مدار خطئهم ليس بنسبته صلى الله عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين بل من البشر كائناً من كان مع كونه عليه الصلاة والسلام معدناً لعلوم الأولين والآخرين ‏{‏لّسَانُ الذى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ‏}‏ اللسان مجاز مشهور عن التكلم، والإلحاد الميل يقال‏:‏ لحد وألحد إذا مال عن القصد، ومنه لحد القبر لأنه حفرة مائلة عن وسطه، والملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها، والأعجمي الغير البين، قال أبو الفتح الموصلي‏:‏ تركيب ع ج م في كلام العرب للإبهام والإخفاء وضد البيان والإيضاح، ومنه قولهم‏:‏ رجل أعجم وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان؛ وعجم الزبيب سمي بذلك لاستتاره واختفائه ويقال للبهيمة العجماء لأنه لا توضح ما في نفسها وسموا صلاتي الظهر والعصر العجماوين لأن القراءة فيهما سر وأما قولهم‏:‏ أعجمت الكتاب فمعناه أزلت عجمته كأشكيت زيداً أزلت شكواه، والأعجمي والأعجم الذي في لسانه عجمة من العجم كان أو من العرب، ومن ذلك زياد الأعجم وكان عربياً في لسانه لكنة وكذاك حبيب الأعجمي تلميذ الحسن البصري قدس الله تعالى سرهما على ما رأيته في بعض التواريخ‏.‏

والمراد من ‏{‏الذى‏}‏ على القول بتعدد من زعموا نسبة التعليم إليه الجن ومفعول ‏{‏يُلْحِدُونَ‏}‏ محذوف أي تكلم الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه أي ينسبون التعليم إليه غير بين لا يتضح المراد منه‏.‏

وظاهر كلام ابن عطية أن اللسان على معناه الحقيقي وهو الجارحة المعروفة‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏فَلْيُؤَدّ الذى‏}‏ بتعريف اللسان بآل ووصفه بالذي‏.‏ وقرأ حمزة‏.‏ والكسائي‏.‏ وعبد الله بن طلحة‏.‏ والسلمي‏.‏ والأعمش ‏{‏يُلْحِدُونَ‏}‏ بفتح الياء والحاء من لحد، وألحد ولحد لغتان فصيحتان مشهورتان ‏{‏وهذا‏}‏ القرآن الكريم ‏{‏لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ‏}‏ ذو بيان وفصاحة على ما يشعر به وصفه بمبين بعد وصفه بعربي والكلام على حذف مضاف عند ابن عطية أي سرد لسان أو نطق لسان، والجملتان مستأنفتان عند الزمخشري لإبطال طعنهم، وجوز أبو حيان أن يكونا حالين من فاعل ‏{‏يَقُولُونَ‏}‏ ثم قال‏:‏ وهو أبلغ في الإنكار أي يقولون هذا والحال أن علمهم بأعجمية هذا البشر وعربية هذا القرآن كان ينبغي أن يمنعهم عن مثل تلك المقالة كقولك‏:‏ أتشتم فلاناً وهو قد أحسن إليك وإنما ذهب الزمخشري إلى الاستئناف لأن مجىء الاسمية حالاً بدون واو شاذ عنده، وهو مذهب مرجوح تبع فيه الفراء إذ مجيئها كذلك في كلام العرب أكثر من أن يحصى اه، وتقرير الإبطال كما قال العلامة البيضاوي يحتمل وجهين، أحدهما أن ما يسمعه من ذلك البشر كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل فكيف يكون ما تلقفه منه‏.‏

وثانيهما هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه ولكن لم يلقف منه اللفظ لأن ذلك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة فكيف تعلم جميع ذلك من غلام سوقى سمع منه بعض المنقولات بكلمات أعجمية لعله لم يعرف معناها، وحاصل ذلك منع تعلمه عليه الصلاة والسلام منه مع سنده ثم تسليمه باعتبار المعنى إذ لفظه مغاير للفظ ذلك بديهية فيكفي دليلاً له ما أتى به من اللفظ المعجز ويمكن تقريره بنحو هذا على سائر الأقوال السابقة في البشر، وقال الكرماني‏:‏ المعنى أنتم أفصح الناس وأبلغهم وأقدرهم على الكلام نظماً ونثراً وقد عجزتم وعجز جميع العرب عن الإتيان بمثله فكيف تنسبونه إلى أعجمي ألكن وهو كما ترى، وبالجملة التشبث في أثناء الطعن بمثل هذه الخرافات الركيكة دليل قوي على كمال عجزهم فقد راموا اجتماع اليوم والأمس واستواء السها والشمس‏:‏

فدعهم يزعمون الصبح ليلا *** أيعمى الناظرون عن الضياء

تفسير الآية رقم ‏[‏104‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏104‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله‏}‏ أي يصدقون بأنها من عنده تعالى بل يقولون فيها ما يقولون يسمونها تارة افتراء وأخرى أساطير معلمة من البشر، وقيل‏:‏ المراد بالآيات المعجزات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيها الآيات القرآنية دخولاً أولياء والأول على ما قيل أوفق بالمقام‏.‏

‏{‏لاَ يَهْدِيهِمُ الله‏}‏ قيل‏:‏ أي إلى الجنة بل يسوقهم إلى النار كما يشير إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏‏.‏

وقال بعض المحققين‏:‏ المعنى لا يهديهم إلى ما ينجيهم من الحق لما يعلم من سوء استعدادهم، وقال في «البحر»‏:‏ أي لا يخلق الإيمان في قلوبهم، وهذا عام مخصوص فقد اهتدى قوم كفروا بآيات الله تعالى، وقال الجلبي‏:‏ المعنى أن سبب عدم إيمانهم هو أنه تعالى لا يهديهم لختمه على قلوبهم أو لا يهديهم سبحانه مجازاة لعدم إيمانهم بأن تلك الآيات من عنده تعالى، وقال العسكري‏:‏ يجوز أن يكون المعنى أنهم إن لم يؤمنوا بهذه الآيات لم يهتدوا، والمراد بلا يهديهم الله لا يهتدون فإنه إنما يقال هدى الله تعالى فلاناً على الإطلاق إذا اهتدى هو، وأما من لم يقبل الهدى فإنه يقال فيه‏:‏ إن الله تعالى هداه فلم يهتد كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 17‏]‏ وقيل‏:‏ المعنى إن الذين لا يصرفون اختيارهم إلى الإيمان بآياته تعالى لا يخلقه سبحانه في قلوبهم، وقال ابن عطية‏:‏ المفهوم من الوجود أن الذين لا يهديهم الله تعالى لا يؤمنون بآياته ولكنه قدم وأخر تتميماً لتقبيح حالهم وللتشنيع بخطئهم كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 5‏]‏ ويؤدي مؤدى التقديم والتأخير ما ذكره الجلبي، أولاً والأكثر لا يخلو عن دغدغة‏.‏

وقال القاضي‏:‏ أقوى ما قيل في الآية ما ذكر أولاً، وكونه تفسيراً للمعتزلة مناسباً لأصولهم فيه نظر، وأياً مّا كان فالمراد من الآية التهديد والوعيد لأولئك الكفرة على ما هم عليه من الكفر بآيات الله تعالى ونسبة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء والتعلم من البشر بعد إماطة شبهتهم ورد طعنهم وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏105‏]‏

‏{‏إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إنَّمَا يَفْتَري الْكَذبَ الَّذِينَ لا يُؤْمنُونَ بآيَات الله‏}‏ تمهيد لكونهم هم المفترين وقلب عليهم بعد أن حقق بالبيان البرهاني براءة ساحته صلى الله عليه وسلم عن لوث الافتراء، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُوْلئِكَ هُمُ الكاذبون‏}‏ إشارة إلى قريش القائلين‏:‏ ‏{‏إنما أنت مفتر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 101‏]‏ وهو تصريح عبد التعريض ليكون كالوسم عليهم، وهذا الأسلوب أبلغ من أن يقال‏:‏ أنتم معشر قريش مفترون لما أشير إليه، وإقامة الدليل على أنهم كذلك وأن من زنوه به لا يجوز أن يتعلق بذيله نشب منه أي إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يترقب عقاباً عليه وقريش كذلك فهم الكاذبون أو إشارة إلى ‏{‏الذين لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 104‏]‏ فيستمر الكلام على وتيرة واحدة، والمعنى أن الكاذب بالحقيقة هذا الكاذب على ما قرروه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأولئك هُمُ المفلحون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏ واللام للجنس وهو شهادة عليهم بالكمال في الافتراء، فالكذب في الحقيقة مقيد بالكذب بآيات الله تعالى، وأطلق إشعاراً بأن لا كذب فوقه ليكون كالحجة على كمال الافتراء أو الكذب غير مقيد على هذا الوجه على معنى أنهم الذين عادتهم الكذب فلذلك اجترؤا على تكذيب آيات الله تعالى دلالة على أن ذلك لا يصدر إلا ممن لهج بالكذب قيله، ويدل على اعتبار هذا المعنى التعبير بالجملة الاسمية ولذا عطفت على الفعلية، وفيه قلب حسن وإشارة إلى أن قريشاً لما كان من عادتهم الكذب أخذوا يكذبون بآيات الله تعالى ومن أتى بها، ثم لم يرضوا بذلك حتى نسبوا من شهدوا له بالأمانة والصدق إلى الافتراء‏.‏

وموضع الحسن الإيماء إلى سبق حالتي النبي صلى الله عليه وسلم وقريش أو الكذب مقيد على هذا الوجه أيضاً بما نسبوا إليه عليه الصلاة والسلام من الافتراء، و‏{‏الذين لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 104‏]‏ على هذا المراد به قريش من إقامة الظاهر مقام المضمر، وإيثار المضارع على الماضي دلالة على استمرار عدم إيمانهم وتجدده عقب نزول كل آية واستحضاراً لذلك وهذا الوجه أيضاً بما نسبوا إليه عليه الصلاة والسلام من الافتراء، و‏{‏الذين لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ على هذا المراد به قريش من إقامة الظاهر مقام المضمر، وإيثار المضارع على الماضي دلالة على استمرار عدم إيمانهم وتجدده عقب نزول كل آية واستحضاراً لذلك وهذا الوجه مرجوح بالنسبة إلى السوابق، وقد ذكر هذه الأوجه صاحب الكشاف وقد حررها بما ذكر المولى المدقق في كشفه، والحصر في سائرها غير حقيقي، ولا استدراك في الآية لا سيما على الأول منها، وهي من الكلام المنصف في بعضها‏.‏ وتعلقها بقوله سبحانه حكاية عنهم‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 101‏]‏ لأنها كما سمعت لرده، وتوسيط ما وسط لما لا يخفى من شدة اتصاله بالرد الأول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏106‏)‏‏}‏

‏{‏مَن كَفَرَ بالله‏}‏ أي بكلمة الكفر ‏{‏مِن بَعْدِ إيمانه‏}‏ به تعالى‏.‏ وهذا بحسب الظاهر ابتداء كلام لبيان حال من كفر بآيات الله تعالى بعدما آمن بها بعد بيان حال من لم يؤمن بها رأساً و‏{‏مِنْ‏}‏ موصولة محلها الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة ‏{‏فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ‏}‏ الآتي عليه وحذف مثل ذلك كثير في الكلام، وجوز أيضاً الرفع وكذا النصب على القطع لقصد الذم أي هم أو أذم من كفر والقطع للذم والمدح وإن تعورف في النعت، و‏{‏مِنْ‏}‏ لا يوصف بها لكن لا مانع من اعتباره في غيره كالبدل وقد نص عليه سيبويه‏.‏ نعم قال أبو حيان‏:‏ إن النصب على الذم بعيد‏.‏ وأجاز الحوفي‏.‏ والزمخشري كونها بدلاً من ‏{‏الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 104‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُوْلئِكَ هُمُ الكاذبون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 105‏]‏ اعتراض بينهما‏.‏ واعترضه أبو حيان‏.‏ وغيره بأنه يقتضي أن لا يفتري الكذب إلا من كفر بعد إيمانه والوجود يقتضي أن من يفتري الكذب هو الذي لا يؤمن مطلقاً وهم أكثر المفترين‏.‏ وأيضاً البدل هو المقصود والآية سيقت للرد على قريش وهم كفار أصليون‏.‏ ووجه ذلك الطيبي بأن يراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِن بَعْدِ إيمانه‏}‏ من بعد تمكنه منه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 16‏]‏ وذكر أن فيه ترشيحاً لطريق الاستدراج وتحسيراً لهم على ما فاتهم من التصديق وما اقترفوه من نسبته عليه الصلاة والسلام إلى الافتراء وفيه كما في «الكشف» أن قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ‏}‏ لا يساعد عليه، وحمل التمكن منه على ما هو أعم من التمكن في إحداثه وبقائه لا يخفى ما فيه‏.‏

وقال المدقق‏:‏ الأولى في التوجيه أن يجعل المعنى من وجد الكفر فيما بينهم تعييراً على الارتداد أيضاً وأن من وجد فيهم هذه الخصلة لا يبعد منهم الافتراء ويجعل ذلك ذريعة إلى أن ينعى عليهم ما كانوا يفعلونه مع المؤمنين من المثلة ويدمج فيه الرخصة بإجراء كلمة الكفر على اللسان على سبيل الإكراه وتفاوت ما بين صاحب العزيمة والرخصة، ولا يخفى ما فيه أيضاً وأنه غير ملائم لسبب النزول، وقال الخفاجي‏:‏ لك أن تقول‏:‏ الأقرب أن يبقى الكلام على ظاهره من غير تكلف وأن هذا تكذيب لهم على أبلغ وجه كما يقال لمن قال‏:‏ إن الشمس غير طالعة في يوم صاح هذا ليس بكذب لأن الكذب يصدر فيما قد تقبله العقول ويكون هذا على تقدير أن يكون المراد في ‏{‏لاَ يَهْدِيهِمُ الله‏}‏ لا يهديهم إلى الحق فالله تعالى لما لم يهدهم إلى الحق والصدق وختم على حواسهم نزلوا منزلة من لم يعرفه حتى يساعده لسانه على النطق به فقبح إنكارهم له أجل من أن يسمى كذباً وإنما يكذب من تعمد ذلك ونطق به مرة، فتكون الآية الأولى للرد على قريش صريحاً والأخرى دلالة على أبلغ وجه انتهى، ولعمري إنه نهاية في التكلف، ومثل هذا الإبدال الإبدال من ‏{‏أولئك‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 105‏]‏ والإبدال من ‏{‏الكاذبون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 105‏]‏ وقد جوزهما الزمخشري أيضاً؛ وجوز الحوفي الأخير أيضاً ولم يجوز الزجاج غيره‏.‏

وجوز غير واحد كون ‏{‏مِنْ‏}‏ شرطية مرفوعة المحل على الابتداء واستظهره في «البحر» والجواب محذوف لدلالة الآتي عليه كما سمعت في الوجه الأول، والكلام في خبر من الشرطية مشهور، وظاهر صنيع الزمخشري اختيار الإبدال وهو عندي غريب منه‏.‏ وفي «الكشف» أن كون ‏{‏مِنْ‏}‏ شرطية مبتدأ وجه ظاهر السداد إلا أن الذي حمل جار الله على إيثار كون ‏{‏مِنْ‏}‏ بدلاً طلب الملاءمة بين أجزاء النظم الكريم لا أن يكون ابتداء بيان حكم، ولا يخفى ما في هذا العذر من الوهن، والظاهر أن استثناء ‏{‏مَنْ أُكْرِهَ‏}‏ أي على التلفظ بالكفر بأمر يخاف منه على نفسه أو عضو من أعضائه ممن كفر استثناء متصل لأن الكفر التلفظ بما يدل عليه سواء طابق الاعتقاد أولاً‏.‏

قال الراغب‏:‏ يقال كفر فلان إذا اعتقد الكفر ويقال إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، فيدخل هذا المستثنى في المستثنى منه المذكور، وقيل‏:‏ مستثنى من الخبر الجواب المقدر، وقيل‏:‏ مستثنى مقدم من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ‏}‏ وليس بذاك، والمراد إخراجه من حكم الغضب والعذاب أو الذم؛ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان‏}‏ حال من السمثتنى، والعامل كما في إرشاد العقل السليم هو الكفر الواقع بالإكراه لا نفس الإكراه لأن مقارنة اطمئنان القلب بالإيمان للإكراه لا تجدي نفعاً وإنما المجدي مقارنته للكفر الواقع به أي إلا من كفر بإكراه أو إلا من أكره فكفروا لحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته، وأصل معنى الاطمئنان سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على ما كان عليه بعد إزعاج الإكراه، وإنما لم يصرح بذلك العامل إيماءً إلى أنه ليس بكفر حقيقة‏.‏

واستدل بالآية على أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار ليس ركناً فيه كما قيل‏.‏ واعترض بأن من جعله ركناً لم يرد أنه ركن حقيقي لا يسقط أصلاً بل أنه دال على الحقيقة التي هي التصديق إذ لا يمكن الاطلاع عليها فلا يضره عند سقوطه لنحو الإكراه والعجز فتأمل‏.‏

‏{‏ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا‏}‏ أي اعتقده وطاب به نفساً و‏{‏صَدْرًا‏}‏ على معنى صدره إذ البشر في عجز عن شرح صدر غيره، ونصبه كما قال الإمام على أنه مفعول به لشرح وجوز بعضهم كونه على التمييز، و‏{‏مِنْ‏}‏ إما شرطية أو موصولة لكن إذا جعلت شرطية قال أبو حيان لا بد من تقدير مبتدأ قبلها لأن لكن لا تليها الجمل الشرطية، والتقدير هنا ولكن هم من شرح بالكفر صدراً أي منهم ومثله قوله‏:‏

ولكن متى تسترفد القوم أرفد *** أي ولكن أنا متى تسترفد الخ‏.‏ وتعقب بأنه تقدير غير لازم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ‏}‏ جواب الشرط على تقدير شرطية ‏{‏مِنْ‏}‏ وهي على التقديرين مبتدأ وهذا خبرها على تقدير الموصولية وكذا على تقدير الشرطية في رأي والخلاف مشهور، وجعله بعضهم خبراً لمن هذه ولمن الأولى للاتحاد في المعنى إذ المراد بمن كفر الصنف الشارح بالكفر صدراً‏.‏ وتعقبه في «البحر» بأن ههنا جملتين شرطيتين وقد فصل بينهما بأداة الاستدراك فلا بد لكل واحدة منهما من جواب على حدة فتقدير الحذف أحرى في صناعة الإعراب‏.‏

وقد ضعفوا مذهب أبي الحسن في إدعائه أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 91‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 89‏]‏ جواب لأما ولأن هذا وهماً أداتا شرط تلي إحداهما الأخرى، ويبعد بهذا عندي جعله خبراً لهما على تقدير الموصولية والاستدراك من الإكراه على ما قيل؛ ووجه بأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ‏}‏ يوهم أن المكره مطلقاً مستثنى مما تقدم، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان‏}‏ لا ينفي ذلك الوهم فاحتيج إلى الاستدراك لدفعه وفيه بحث ظاهر، وقيل‏:‏ المراد مجرد التأكيد كما في نحو قولك‏:‏ لو جاء زيد لأكرمتك لكنه لم يجىء‏.‏ وأنت تعلم ما في ذلك فتأمل جداً، وتنوين ‏{‏غَضَبَ‏}‏ للتعظيم أي غضب عظيم لا يكتنه كنهه كائن ‏{‏مِنَ الله‏}‏ جل جلاله ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ‏}‏ لعظم جرمهم فجوزوا من جنس عملهم، وفي اختيار الاسم الجليل من تربية المهابة وتقوية وتعظيم العذاب ما فيه، والجمع في الضميرين المجرورين لمراعاة جانب المعنى كما أن الإفراد في المستكن في الصلة لرعاية جانب اللفظ‏.‏ روي أن قريشاً أكرهوا عماراف وأبويه ياسراً وسمية على الارتداد فأبوا فربطوا سمية بين بعيرين ووجىء بحربة في قبلها وقالوا إنما أسلمت من أجل الرجال فقتلوها وقتلوا ياسراً وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه فقيل يا رسول الله إن عماراً كفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال‏:‏ مالك إن عادوا فعد لهم بما قلت، وفي رواية أنهم أخذوه فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ما وراءك‏؟‏ قال‏:‏ شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال‏:‏ كيف تجد قلبك‏؟‏ قال‏:‏ مطمئن بالإيمان قال صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد فنزلت هذه الآية، وكأن الأمر بالعود في الرواية الأولى للترخيص بناءً على ما قال النسفي أنه أدنى مراتبه وكذا الأمر في الرواية الثانية أن اعتبر مقيداً بما قيد به في الرواية الأولى، وأما إن اعتبر مقيداً بطمأنينة القلب كما في الهداية أي عد إلى جعلها نصب عينيك وأثبت عليها فالأمر للوجوب، والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازاً للدين ولو تيقن القتل كما فعل ياسر وسمية وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة بل هو كالقتل في الغزو كما صرحوا به‏.‏

وقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن وعبد الرازق في تفسيره عن معمر أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما‏:‏ ما تقول في محمد‏؟‏ قال‏:‏ رسول الله قال‏:‏ فما تقول في‏؟‏ فقال‏:‏ أنا أصم فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد ذلك في جوابه فقتله فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما فقال‏:‏ أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له‏.‏ وفي أحكام الجصاص أنه يجب على المكره على الكفر إخطار أنه لا يريده فإن لم يخطر بباله ذلك كفر‏.‏ وفي «شرح المنهاج» لابن حجر لا توجد ردة مكره على مكفر قلبه مطمئن بالإيمان للآية، وكذا إن تجرد قلبه عنهما فيما يتجه ترجيحه لإطلاقهم أن المكره لا يلزمه التورية فافهم، وقال القاضي‏:‏ يجب على المكره تعريض النفس للقتل ولا يباح له التلفظ بالكفر لأنه كذب وهو قبيح لذاته فيقبح على كل حال ولو جاز أن يخرج عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله سبحانه الكذب لها وحينئذٍ لا يبقى وثوق بوعده تعالى ووعيده لاحتمال أنه سبحانه فعل الكذب لرعاية المصلحة التي لا يعلمها إلا هو، ورده ظاهر، وهذا الخلاف فيما إذا تعين على المكره إما التزام الكذب وإما تعريض النفس للتلف وإلا فمتى أمكنه نحو التعريض أو إخراج الكلام على نية الاستفهام الإنكاري لم يجب عليه تعريض النفس لذلك إجماعاً‏.‏ واستدل بإباحة التلفظ بالكفر عند الإكراه على إباحة سائر المعاصي عنده أيضاً وفيه بحث، فقد ذكر الإمام أن من المعاصي ما يجب فعله عند الإكراه كشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير فإن حفظ النفس عن الفوات واجب فحيث تعين الأكل سبيلاً ولا ضرر فيه لحيوان ولا إهانة لحق الله تعالى وجب لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 195‏]‏ ومنها ما يحرم كقتل إنسان محترم أو قطع عضو من أعضائه وفي وجوب القصاص على المكره قولان للشافعي عليه الرحمة، وذكر أن من الأفعال ما لا يقبل الإكراه ومثل بالزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة فحيث دل الزنا في الوجود علمنا أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 106‏]‏ أو المذكور من الغضب والعذاب ‏{‏بِأَنَّهُمْ‏}‏ أي بسبب أن الشارحين صدورهم بالكفر ‏{‏استحبوا الحياة الدنيا‏}‏ أي آثروها وقدموها ولتضمن الاستحباب معنى الإيثار قيل ‏{‏على الاخرة‏}‏ فعدى بعلى، والمراد على ما في «البحر» أنهم فعلوا فعل المستحبين ذلك وإلا فهم غير مصدقين بالآخرة‏.‏

‏{‏وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى‏}‏ إلى الإيمان وإلى ما يوجب الثبات عليه، وقيل‏:‏ إلى الجنة‏.‏ ورده الإمام وفسر بعضهم الهداية المنفية بهداية القسر أي لا يهدي هداية قسر وإلجاء ونسب إلى المعتزلة ‏{‏القوم الكافرين‏}‏ أي في علمه تعالى المحيط فلا يعصمهم تعالى عن الزيغ وما يؤدي إليه من الغضب والعذاب، ولولا أحد الأمرين إما إيثار الحياة الدنيا على الآخرة وإما عدم هداية الله تعالى إياهم بأن آثروا الآخرة على الدنيا أو بأن هداهم الله سبحانه لما كان ذلك لكن كلاهما لا يكون لأنه خلاف ما في العلم بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر وقال البعض‏:‏ لكن الثاني مخالف للحكمة والأول مما لا يدخل تحت الوقوع وإليه الإشارة بقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏أولئك‏}‏ أي الموصوفون بما ذكر ‏{‏الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم‏}‏ فلم تفتح لإدراك الحق واكتساب ما يوصل إليه، واستظهر أبو حيان كون ذلك إشارة إلى ما استحقوه من الغضب والعذاب، وقال‏:‏ إن قوله تعالى ‏{‏استحبوا‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 107‏]‏ إشارة إلى الكسب ‏{‏وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 107‏]‏ إشارة إلى الاختراع فجمعت الآية الأمرين وذلك عقيدة أهل السنة فافهم، وقد تقدم للكلام على الطبع ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ الغافلون‏}‏ أي الكاملون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من الغفلة عن تدبر العواقب والنظر في المصالح، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ غافلون عما يراد منهم في الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏109‏)‏‏}‏

‏{‏لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاخرة هُمُ الخاسرون‏}‏ إذ ضيعوا رؤوس أموالهم وهي أعمارهم وصرفوها فيما لا يفضي إلا إلى العذاب المخلد ولله تعالى من قال‏:‏

إذا كان رأس المال عمرك فاحترس *** عليه من الإنفاق في غير واجب

ووقع في آية أخرى ‏{‏الاخسرون‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 22‏]‏ وذلك لاقتضاء المقام على ما لا يخفى على الناظر فيه أو لأنه وقع في الفواصل هنا اعتماد الألف كالكافرين والغافلين فعبر به لرعاية ذلك وهو أمر سهل، وتقدم الكلام في ‏{‏لاَ جَرَمَ‏}‏ فتذكره فما في العهد من قدم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏

‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏110‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا‏}‏ إلى دار الإسلام وهم عمار‏.‏ وأضرابه أي لهم بالولاية والنصر لا عليهم كما يقتضيه ظاهر أعمالهم السابقة فالجار والمجرور في موضع الخبر لإن، وجوز أن يكون خبرها محذوفاً لدلالة خبر إن الثانية عليه، والجار والمجرور متعلق بذلك المحذوف، وقال أبو البقاء‏:‏ الخبر هو الآتي وإن الثانية واسمها تكرير للتأكيد ولا تطلب خبراً من حيث الإعراب، والجار والمجرور متعلق بأحد المرفوعين على الأعمال، وقيل‏:‏ بمحذوف على جهة البيان كأنه قيل‏:‏ أعني للذين أي الغفران وليس بشيء، وقيل‏:‏ لا خبر لأن هذه في اللفظ لأن خبر الثانية أغنى عنه وليس بجيد كما لا يخفى و‏{‏ثُمَّ‏}‏ للدلالة على تباعد رتبة حالهم هذه عن رتبة حالهم التي يفيدها الاستثناء من مجرد الخروج عن حكم الغضب والعذاب لا عن رتبة حال الكفرة ‏{‏مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ‏}‏ أي عذبوا على الارتداد، وأصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ثم تجوز به عن البلاء وتعذيب الإنسان‏.‏ وقرأ ابن عامر ‏{‏فَتَنُواْ‏}‏ مبنياً للفاعل، وهو ضمير المشركين عند غير واحد أي عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبراً حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا أو وقعوا في الفتينة فإن فتن جاء متعدياً ولازماً وتستعمل الفتنة فيما يحصل عنه العذاب‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ الظاهر أن الضمير عائد على ‏{‏الذين‏}‏ والمعنى فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول كما فعل عمار أو كانوا صابرين على الإسلام وعذبوا بسبب ذلك صاروا كأنهم عذبوا أنفسهم ‏{‏فُتِنُواْ ثُمَّ جاهدوا‏}‏ الكفار ‏{‏وَصَبَرُواْ‏}‏ على مشاق الجهاد أو على ما أصابهم من المشاق مطلقاً ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا‏}‏ أي المذكورات من الفتنة والهجرة والجهاد والصبر، وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على الموصول من علية الصلة‏.‏

وجوز أن يكون الضمير للفتنة المفهومة من الفعل السابق ويكون ما ذكر بياناً لعدم إخلال ذلك بالحكم، وقال ابن عطية‏:‏ يجوز أن يكون للتوبة والكلام يعطيها وإن لم يجر لها ذكر صريح ‏{‏لَغَفُورٌ‏}‏ لما فعلوا من قبل ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ ينعم عليهم مجازاة لما صنعوا من بعد، وفي التعرض لعنوان الربوبية في الموضعين إيماءً إلى علة الحكم وما في إضافة الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام مع ظهور الأثر في الطائفة المذكورة إظهار لكمال اللطف به صلى الله عليه وسلم بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة بواسطته عليه الصلاة والسلام ولكونهم أتباعاً له‏.‏

هذا وكون الآية في عمار واضرابه رضي الله تعالى عنهم مما ذكره غير واحد، وصرح ابن إسحاق بأنها نزلت فيه وفي عياش بن أبي ربيعة‏.‏

والوليد بن أبي ربيعة‏.‏ والوليد بن الوليد، وتعقبه ابن عطية بأن ذكر عمار في ذلك غير قويم فإنه أرفع طبقة هؤلاء، وهؤلاء ممن شرح بالكفر صدراً فتح الله تعالى لهم باب التوبة في آخر الآية، وذكر أن الآية مدنية وأنه لا يعلم في ذلك خلافاً، ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت فكتب بها المسلمون إلى من كان أسلم بمكة إن الله تعالى قد جعل لكم مخرجاً فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل، وأخرج ذلك ابن مردويه، وفي رواية أنهم خرجوا واتبعوا وقاتلوا فنزلت، وأخرج هذا ابن المنذر‏.‏ وغيره عن قتادة، فالمراد بالجهاد قتالهم لمتبعيهم، وأخرج ابن جرير عن الحسن‏.‏ وعكرمة أنها نزلت في عبد الله ابن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتل يوم فتح مكة فاستجار له عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد نزلت فيه وفي أشباهه كما صرح به في بعض الروايات، وفسروا ‏{‏فَتَنُواْ‏}‏ على هذا بفتنهم الشيطان وأزلهم حتى ارتدوا باختيارهم، وما ذكره ابن عطية فيمن ذكر مع عمار غير مسلم، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن عياشاً رضي الله تعالى عنه كان أخاً أبي جهل لأمه وكان يضربه سوطاً وراحلته سوطاً ليرتد عن الإسلام‏.‏ وفي التفسير الخازني أن عياشاً وكان أخاً أبي جهل من الرضاعة، وقيل‏:‏ لأمه‏.‏ وأبا جندل بن سهل بن عمرو‏.‏ وسلمة بن هشام‏.‏ والوليد بن المغيرة‏.‏ وعبد الله بن سلمة الثقفي فتنهم المشركون وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا والآية نزلت فيهم، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏111‏]‏

‏{‏يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ‏}‏ نصب على الظرفية بـ ‏{‏رحيم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 110‏]‏ وقيل‏:‏ على أنه مفعول به لأذكر محذوفاً، ورجح الأول بارتباط النظم عليه ومقابلته لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِى الاخرة هُمُ الخاسرون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 109‏]‏ ولا يضر تقييد الرحمة بذلك اليوم لأن الرحمة في غيره تثبت بالطريق الأولى، والمراد بهذا اليوم يوم القيامة ‏{‏تجادل عَن نَّفْسِهَا‏}‏ تدافع وتسعى في خلاصها بالاعتذار ولا يهمها شأن غيرها من ولد ووالد وقريب‏.‏ أخرج أحمد في الزهد‏.‏ وجماعة عن كعب قال‏:‏ كنت عند عمر بن الخطاب فقال‏:‏ خوفنا يا كعب فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين أوليس فيكم كتاب الله تعالى وحكمة رسوله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ بلى ولكن خوفنا قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبياً لازدرأت عملك مما ترى قال‏:‏ زدنا قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل الآخر جاثياً إلى ركبتيه حتى أن إبراهيم خليله ليخر جاثياً على ركبتيه فيقول‏:‏ رب نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي فأطرق عمر ملياً قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين أو ليس تجدون هذا في كتاب الله‏؟‏ قال‏:‏ كيف‏؟‏ قلت‏:‏ قول الله تعالى في هذه الآية‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ‏}‏ الخ، وجعل بعضهم هذا القول هو الجدال ولم يرتضه ابن عطية، والحق أنه ليس فيه إلا الدلالة على عدم الاهتمام بشأن الغير وهو بغض ما تدل عليه الآية وعن ابن عباس أن هذه المجادلة بين الروح والجسد يقول الجسد‏:‏ بك نطق لساني وأبصرت عيني ومشت رجلي ولولاك لكنت خشبة ملقاة وتقول الروح‏:‏ أنت كسبت وعصيت لا أنا وأنت كنت الحامل وأنا المحمول فيقول الله تعالى‏:‏ أضرب لكما مثلاً أعمى حمل مقعداً إلى بستان فأصابا من ثماره فالعذاب عليكما، والظاهر عدم صحة هذا عن هذا الحبر وهو أجل من أن يحمل المجادلة في الآية على ما ذكر‏.‏

وضمير ‏{‏نَفْسَهَا‏}‏ عائد على النفس الأولى فكأنه قيل‏:‏ عن نفس النفس، وظاهره إضافة الشيء إلى نفسه، فوجه بأن النفس الأولى هي الذات والجملة أي الشخص بأجزائه كما في قولك، نفس كريمة ونفس مباركة، والثانية عينها أي التي تجري مجرى التأكيد ويدل على حقيقة الشيء وهويته بحسب المقام، والفرق بينهما أن الأجزاء ملاحظة في الأول دون الثاني، والأصل هو الثاني لكن لعدم المغايرة في الحقيقة بين الذات وصاحبها استعمل بمعنى الصاحب ثم أضيف الذات إليه، فوزان ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ‏}‏ وزان قولك‏:‏ كل أحد كذا في «الكشف» وفي «الفرائد» المغايرة شرط بين المضاف والمضاف إليه لامتناع النسبة بدون المنتسبين فلذلك قالوا‏:‏ يمتنع إضافة الشيء إلى نفسه إلا أن المغايرة قبل الإضابة كافية وهي محققة ههنا لأنه لا يلزم من مطلق النفس نفسك ويلزم من نفسك مطلق النفس فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك صحت الإضافة وإن اتحدا بعد الإضافة، ولذا جاز عين الشيء وكله ونفسه بخلاف أسد الليث وحبس المنع ونحوهما، وقال ابن عطية‏:‏ النفس الأولى هي المعروفة والثانية هي البدن، وقال العسكري‏:‏ الإنسان يسمى نفساً تقول العرب‏:‏ ما جاءني إلا نفس واحدة أي إنسان واحدة، والنفس في الحقيقة لا تأتي لأنها هي الشيء الذي يعيش به الإنسان فتأمل ففي النفس من بعض ما قالوه شيء، والظاهر أن السؤال والجواب المشهورين في كل رجل وضيعته يجريان ههنا فتفطن‏.‏

وفي «البحر» إنما لم تجىء تجادل عنها بدل ‏{‏تجادل عَن نَّفْسِهَا‏}‏ لأن الفعل إذا لم يكن من باب ظن وفقد لا يتعدى ظاهراً كان فاعله أو مضمراً إلى ضميره المتصل فلا يقال‏.‏ ضربتها هند أو هند ضربتها وإنما يقال‏:‏ ضربت نفسها هند وهند ضربت نفسه، وتأنيث ‏{‏تَأْتِى‏}‏ مع إسناده إلى ‏{‏كُلٌّ‏}‏ وهو مذكر لرعاية المعنى؛ وكذا يقال فيما بعد، وعلى ذلك جاء قوله‏:‏

جادت عليها كل عين ثمرة *** فتركن كل حديقة كالدرهم

‏{‏وتوفى كُلُّ نَفْسٍ‏}‏ أي تعطي وافياً كاملاً ‏{‏مَّا عَمِلَتْ‏}‏ أي جزاء عملها أو الذي عملته إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب إشعاراً بكمال الاتصال بين الأجزية والأعمال، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير وللإيذان باختلاف وقتي المجادلة والتوفية وإن كانتا في يوم واحد‏.‏

‏{‏وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‏}‏ بزيادة العقاب أو بالعقاب بغير ذنب، وقيل‏:‏ بنقص أجورهم‏.‏ وتعقب بأنه علم من السابق‏.‏ وأجيب بأن القائل به لعله أراد بجزاء ما عملت العقاب، وعلى تقدير إرادة الأعم فهذا تكرار للتأكيد ووجه ضمير الجمع ظاهر‏.‏